أبو علي سينا

129

القانون في الطب ( طبع بيروت )

توافيها تأخذ في البعد عنها لا في القرب إليها فلا تلطف هواءها ولا تجففه ، بل تتركه رطباً غليظاً وإن أرسلت إلى المدينة رياحاً أرسلتها مغربية وليلًا ، فتكون أحكامها أحكام البلاد الرطبة المزاج المعتدلة الحرارة الغليظة ، ولولا ما يعرض من كثافة الهواء لكانت تشبه طباع الربيع ، لكنها تقصر عن صحة هواء البلاد المشرقية قُصُوراً كثيراً ، فلا يجب أن يلتفت إلى قوله من جزم أن قوة هذه البلاد قوة الربيع قولًا مطلقاً ، بل إنها بالقياس إلى بلاد أخرى جيدة جداً . ومن المعنى المذموم فيها أن الشمس لا توافيهم إلا وهي مستولية على تسخين الإقليم لعلوها تطلع عليهم لذلك دفعة بعد برد الليل ولرطوبة أمزجة هوائهم ، تكون أصواتهم باحة وخصوصاً في الخريف لنوازهم . في اختيار المساكن وتهيئتها . ينبغي لمن يختار المساكن أن يعرف تربة الأرض وحالها في الارتفاع والانخفاض والانكشاف والاستتار وماءها وجوهر مائها وحاله في البروز والانكشاف أو في الارتفاع والانخفاض ، وهل هي معرّضة للرياح أو غائراً في الأرض ويعرف رياحهم . هل هي الصحيحة الباردة وما الذي يجاورها من البحار والبطائح والجبال والمعادن ، ويتعرّف حال أهل البلد في الصحة والأمراض ، وأيّ الأمراض يعتاد بهم ويتعرف قوتهم وهضمهم وجنس أغذيتهم ، ويتعرف حال مائها وهل هو واسع منفتح أو ضيّق المداخل مخنوق المنافس ، ثم يجب أن يجعل الكوى والأبواب شرقية شمالية ، ويكون العمدة على تمكين الرياح المشرقية من مداخلة الأبنية وتمكين الشمس من الوصول إلى كل موضع فيها ، فإنها هي المصلحة للهواء . ومجاورة المياه العذبة الكريمة الجارية الغمرة النظيفة التي تبرد شتاء وتسخن صيفاً ، خلاف الكامنة أمر جيد منتفع به . فقد تكلمنا في الهواء والمساكن كلاماً مشروحاً ، وخليق بنا أن نتكلم فيما يتلوها من الأسباب المعدودة معها . الفصل الثاني عشر موجبات الحركة والسكون الحركة يختلف فعلها في بدن الإنسان بما يشتدّ ويضعف وبما يقلٌ ويكثر وبما يخالطها من السكون ، وهذا عند الحكماء قسم برأسه وبما يتعاطاه من المواد والحركة الشديدة والكثيرة والقليلة المخالطة للسكون يشترك في تهييج الحرارة ، إلا أن الشديدة الغير الكثيرة تفارق الكثيرة الغير الشديدة ، والكثيرة المخالطة للسكون بأنها تسخن البدن سخونة كثيرة وتحلل إن حللت أقل . وأما الكثيرة فإنها تحلل بالرفق فوق ما يسخن وإذا أفرد كل واحد منهما برد لفرط تحليله الحار الغريزي وجفف أيضا . وأما إذا كانت متعاطاة لمادة فربما كانت المادة تفعل ما يعين فعلها ، وربما كانت تفعل ما ينقص فعلها ، مثلًا إن كانت الحركة حركة صناعة القصارة فإنها يعرض لها أن تفيد برد أو رطوبات ، وإن كانت حركة صناعة الحدادة عرض ، لها أن تفيد فضل